المغرب… ذاكرة لا تُختصر، وجمال لا يُقلَّد

المغربية أنفو

بقلم : هاجر الرشم

لا تبحث عن المغرب في كُتب الجغرافيا، ولا في نشرات الأخبار. المغرب لا يُعرَف بالأرقام ولا بالحدود، بل يُعرَف بما لا يُقال:
برائحة المدن العتيقة، بصوت المؤذن حين يعلو بين الأزقة، بنقش الزليج الذي لا يتشابه، وبأرواح الملوك التي لم تغادر يوماً هذه الأرض.

هنا، لا نعيش في الحاضر فقط، بل نسكن في تراث ممتد، طويل مثل تاريخنا، ومتنوّع مثل لهجاتنا.
المغرب بلدٌ حين تفتحه، لا ترى صفحة واحدة، بل كتابًا سافرت فيه أمم، وتعاقبت عليه ممالك، كل واحدة منها زرعت بذرتها في التربة، ولم تخرج دون أن تترك أثرها.

من الأدارسة الذين أطلقوا أول شرارة الدولة المغربية، إلى المرابطين الذين رسموا بداية الوحدة، فـالموحدين الذين أوصلوا إشعاع المغرب إلى الأندلس وإفريقيا، ثم المرينيين بناة المدارس والتحف، وصولاً إلى السعديين بعطرهم الأندلسي، وأخيرًا العلويين الذين حملوا كل هذا الإرث وساروا به نحو الغد.

كل مملكة مرّت، كانت تضيف نغمتها في هذه السمفونية العجيبة. لم يأتِ أحد ليهدم، بل ليبني فوق ما كان.
ولهذا حين تسير في المغرب، لا تمشي في خط مستقيم، بل تمشي في دوائر من الجمال المتراكم.

في فاس، تقرأ دفاتر العلماء والفقهاء.
في مراكش، تُصافح النخيل وتسمع صدى الخيول.
في تطوان، تشم عبير الأندلس كما لو أنها لم ترحل قط.
وفي طنجة، تلتقي المتوسط بالمحيط في عناق لا نهاية له.
أما في الجنوب، فتغفو الرمال على إيقاع الطبول الإفريقية، وتبتسم القصبات تحت شمسٍ لم تتغيّر منذ قرون.

هل هذا بلدٌ واحد؟
نعم، لكنه يحمل ألف وجه. أمازيغي وعربي، إفريقي وأندلسي، صحراوي وأطلسي، متوسطي وأمازيغي الهوى.
وحده المغرب يستطيع أن يكون كل ذلك، دون أن يفقد ملامحه.

الجمال في المغرب لا يُصرَخ به، بل يُهمَس.
لا يقول “أنظر إليّ”، بل يضعك في حضرته فتنشغل عن كل شيء سواه.
من زخرفة باب، إلى حياكة قفطان، إلى حبة تمر تُقدَّم لك بابتسامة، كل شيء فيه متقن بلا تصنّع.

هذا التراث الذي نحمله، لم نرثه كعبء… بل كوسام. لم نخزّنه في المتاحف فقط، بل نعيشه: في الكلام، في الذوق، في الملمس، في الحب، في الأعياد، في الطقوس.

المغرب ليس نسخة من أحد، ولن يكون.
ليس بلدًا نلونه بلونٍ واحد، بل لوحة كاملة فيها من كل ظلّ، وكل ضوء، وكل نغمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *