المغربية أنفو
في مؤتمر صحفي مؤخّر، أثار رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دهشة الحاضرين بحديثه عن مساهمات بلاده في التكنولوجيا، إذ قال موجهًا كلامه للصحفيين: «هل لديك هاتف محمول؟ إذًا أنت تحمل قطعةً من إسرائيل هنا». هذا التصريح جاء في سياق تبجّحه بإسهامات إسرائيل في مجالات عدة، من الصناعات العسكرية إلى التكنولوجيا والدواء. ومع تناقل وسائل الإعلام لكلماته، انطلقت تحريّات للتأكد من هذه الموازين الجديدة للنفوذ الإسرائيلي في يوميات المستهلك العادي.
تحقيق يربط التصريح بتطبيق إسرائيلي خفيّ
كشف موقع «عربي بوست» الإخباري في تحقيق استقصائي نشره منتصف سبتمبر 2025 عن تطبيق إسرائيلي خفيّ مثبت على بعض هواتف «سامسونج» الذكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يحمل التطبيق اسم «AppCloud»، وهو أحد مكونات منصة Aura الإعلانية التي طورتها شركة IronSource الإسرائيلية (مقرّها تل أبيب)، قبل أن تستحوذ عليها شركة Unity الأميركية. وعلى خلاف التطبيقات الاعتيادية مثل «واتساب» أو «تويتر»، لا يمكن للمستخدم حذف «AppCloud» بسهولة من هاتفه.
ويوضح التحقيق أن «AppCloud» يظهر للمستخدم على شكل مقترحات لتنزيل ألعاب وتطبيقات، ولكنه يمنح نفسه صلاحيات واسعة قد تتجاوز مهامه المعلنة. فعندما بحث صحفيو «عربي بوست» في بعض هواتف سامسونج، وجدوا أنه «لا يمكن حذف أو إلغاء تثبيت هذا التطبيق». وقد أشار باحثون في الحقوق الرقمية إلى أن سياسة خصوصية التطبيق مرتبطة مباشرة بشركة IronSource ولم تُفصح بالكامل، وهو ما أثار مخاوف بشأن جمع بيانات المستخدم دون علمه.
هواتف محدّدة وأسواق مستهدفة
ولدى فحص أجهزة سامسونج في متاجر عدة من مصر والأردن والمغرب وسوريا ولبنان والعراق وتركيا، وجدت فرق «عربي بوست» أن التطبيق كان مثبتًا مسبقًا على طرازات Galaxy A وGalaxy M الاقتصادية. وهذه السلسلتان هما من الأكثر مبيعًا عالميًا؛ إذ بلغت شحنات Galaxy A حوالي 89 مليون وحدة في الربع الأول من 2025. ولدى سؤال موظفين في مؤسسات حكومية بالمغرب، تبين أن أجهزة سامسونج من هذه الطرازات الممنوحة للموظفين كانت قد وصلت إلى المستخدمين محمّلةً بالتطبيق مسبقًا. ويشير التحقيق إلى أن «AppCloud» لا يظهر على نسخ سامسونج الموجهة للأسواق الأوروبية أو الأميركية، بل يتواجد حصريًا في هواتف «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».
وبطريقة تركيبيّة، يأتي «AppCloud» إما ضمن النظام مباشرة عند شراء الجهاز، أو يظهر فجأة بعد عملية تحديث لنظام التشغيل. وقد رصد مستخدمون على منتديات رسمية مثل مجتمع سامسونج وموقع Reddit شكوى متواصلة من ظهور التطبيق بعد التحديث وعجزهم عن حذفه. وبحسب الردّ الذي حصل عليه «عربي بوست» من مكتب الرئيس التنفيذي الإقليمي لسامسونج، فإن الشراكة مع IronSource تغطي أكثر من 50 سوقًا في المنطقة، وقد تم دمج منصة Aura (بما فيها AppCloud) على أكثر من مليار جهاز عالميًا.
مخاطر خصوصية وجمع بيانات
يثير هذا الانتشار المسبق للتطبيق مخاوف أمنية وتقنية واضحة. إذ يمنح «AppCloud» نفسه صلاحيات واسعة تشمل الوصول إلى بيانات استخدام الجهاز وقائمة التطبيقات والموقع التقني (مثل IMEI) وبيانات الشبكة أحيانًا. ولذلك يستطيع التطبيق جمع حجم هائل من البيانات الوصفية والسلوكية حول المستخدم، بما في ذلك موقعه الجغرافي وبصمات الأجهزة وعناوين IP. ويعترف ناشرون بأن IronSource تعتمد بشكل كبير على تحليل بيانات المستخدمين لاستهداف الإعلانات، ما يثير «الريبة في إمكانية استخدام هذه البيانات والتحليلات لأغراض عسكرية أو أخرى غير معلنة».
من الناحية القانونية، فإن تثبيت أي تطبيق دون موافقة صريحة من المستخدم يشكل خرقًا للوائح حماية البيانات مثل GDPR الأوروبية. وتشترط هذه اللوائح موافقة صريحة وواضحة مع توفير خيار سهل لإلغاء الاشتراك، وهو ما لا يراه خبراء الحال مع «AppCloud». فالشرط النموذجي الذي يوافق عليه المستخدم عند تهيئة الجهاز لا يذكر التطبيق أو طريقة استخدامه للمعلومات بشكل محدد. وحتى تعطيل التطبيق لا ينهي جمع البيانات كليًّا؛ فبإمكان المستخدم فقط تعطيل (Disable) ظهوره، لكن يبقى مثبتًا في ذاكرة النظام وقد يعاود الظهور بعد أي تحديث جديد.
وفي المنطقة ذات الحساسية السياسية العالية، يؤكد الخبراء أن وجود تطبيق إسرائيلي مثبت مسبقًا على أجهزة تباع للمستخدم العادي يزرع «مخاوف متعددة بأن يُستخدم لأغراض تتجاوز التسويق التجاري»، مثل بناء قواعد معلومات استخبارية عن السكان. وأضاف خبير أردني أن «ثقة المستخدم تفتقد الانعدام في أن نوايا شركة مقرها إسرائيل تجاه المستخدمين في دول عربية وإسلامية هي نوايا تجارية بحتة»، خاصة في ظل صراعات مفتوحة مع الاحتلال. كما يشير إلى أن دعم اقتصاد شركة إسرائيلية عن طريق شراء أجهزة محمّلة بتطبيقاتها يمس الكِرامة السياسية والأخلاقية للمستخدمين.
رد سامسونج الرسميّ
أكدت سامسونج أن AppCloud يُعتبر غالبًا تطبيق نظام مدمجًا بعمق في هواتف الفئات المتوسطة والمنخفضة (سلسلتا A وM). وعادةً لا تسمح الشركات المصنعة بإلغاء تثبيت مثل هذه التطبيقات الجاهزة للاستخدام، مع إمكانية تعطيلها أو إزالة تحديثاتها فقط. وأضافت سامسونج أن الشراكة مع IronSource تهدف لتحسين تجربة المستخدم بتقديم محتوى وتطبيقات ذات صلة مباشرة، وأن المنصة تجمع بيانات الاستخدام بهدف التوصية بالتطبيقات الأنسب للمستخدم.
وفيما يتعلق بالاتهامات الأمنية، ذكرت سامسونج ضمنيًا أنها «أطلعت على تقارير» حول ظهور التطبيق بعد تحديثات الأمان، وأن الشراكة نشطة في أكثر من 30 سوقًا وتم توسيعها إلى 50 سوقًا. حول مخاوف التجسس، نبهت سامسونج إلى أن طرح أي ادعاء باستخدام هذه البيانات لأغراض عسكرية أو استخباراتية هو ادعاء خطير للغاية. وأوضحت الشركة أنه «لا توجد معلومات عامة موثقة» تدعم هذه الادعاءات، وأن بيانات المستخدمين محمية ولا يمكن الاطلاع عليها من قبل أي جهة خارجية.
سياق أوسع: إسرائيل وريادة التقنيات التجسسية
إن قضية «AppCloud» ليست فريدة بمعزل عن السياق الإسرائيلي الأوسع في مجال الأمن الرقمي. فعلى الصعيد الدولي، واجهت شركات إسرائيلية اتهامات بالتجسس عبر برمجيات متطوّرة. فقد كشفت وكالات أنباء عالمية أن Pegasus، برنامج التجسس المحمول الشهير لشركة NSO الإسرائيلية، استُخدم لاستهداف سياسيين وصحفيين ونشطاء في أوروبا وغيرها. وتتابع دول مثل إسبانيا وفرنسا تحقيقات حول اختراق هواتف مسؤولين ببرامج مماثلة. ومن جهة أخرى، ورد أن شركة Candiru الإسرائيلية صممت برمجيات خبيثة لاختراق الحواسيب واستُخدمت ضد معارضين في الشرق الأوسط.
وقد وُضعت NSO وCandiru على قوائم سوداء من قِبل الحكومة الأميركية لتوزيعهما برمجيات تهدد الأمن القومي، في حين رفعت شركات كبرى مثل فيسبوك وأبل دعاوى قضائية ضد بعض هذه الشركات مطالبين بتعويضات نتيجة إساءة استخدام تقنيات التجسس. وفي مجال التعرّف على الوجه، كشفت تقارير أن شركة AnyVision (المعروفة الآن باسم Oosto) واجهت تحقيقات لافتراض استخدام تقنيتها في مراقبة الفلسطينيين بالضفة الغربية.
شركات إسرائيلية بارزة في مجال المراقبة الرقمية
- NSO Group: الشركة المطورة لبرنامج Pegasus للتجسس على الهواتف الذكية.
- Candiru: شركة تطوّر برمجيات خفيّة لاختراق أنظمة الحواسيب.
- Cellebrite: متخصصة بأجهزة واختراقات لاستخراج بيانات الهواتف المحمولة عند حيازتها.
- Toka (Intellexa): شركة أسسها ضباط سابقون، تركّز على «التجسس على إنترنت الأشياء» (كالكاميرات الذكية).
- AnyVision/Oosto: تعمل على تقنيات التعرف على الوجوه، واتُهمت باستخدامها بمراقبة الفلسطينيين.
ويُذكر أن غالبية هذه الشركات تعمل بتوجيه ورقابة حكومة الاحتلال، لا سيما وزارة الدفاع الإسرائيلية التي تصدر تصاريح التصدير.
يأتي الكشف عن تطبيق «AppCloud» ضمن مظاهر استراتيجية «التغلغل التكنولوجي» التي تستعرضها إسرائيل باعتزاز. فتصريح نتنياهو حول هاتف محمول يتحوّل إلى «قطعة من إسرائيل» ليس مجرد استعراض أناني؛ بل هو واقع ملموس تعزّزه شراكات تقنية مع الشركات الكبرى، في حين يمكن لتلك القطعة الإلكترونية أن تنقل معلوماتك وبياناتك إلى شركاء هذه الصناعة. وهذا يفتح نقاشات واسعة حول مدى الخصوصية التي يتمتع بها المستخدم، وحاجة الحكومات والمستهلكين لفهم وتقييم طبيعة البرمجيات المُثبتة مسبقًا في أجهزتهم. فبينما تنفي الشركات الرسمية أي استخدام مسيّس للبيانات، يظل القلق قائمًا حول «القطعة المخفية من إسرائيل» التي ربما تراقب نشاطك يوميًا، كما أشار التحقيق.