“منات عيشاتة”.. ذاكرة تُغنّي في وجه النسيان

المغربية أنفو

في فضاءٍ يعبق بروح الجنوب وإيقاعات الصحراء، أعاد الفيلم الوثائقي الطويل “منات عيشاتة”، لمخرجه عمر ميارة، الجمهور إلى جذور الموسيقى الحسانية، حيث يتعانق الصوت بالطبل، وتتحول الأنغام إلى سيرة عائلة نسجت وجودها على إيقاع الفن.
الفيلم، الذي عُرض مساء الأحد ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، لا يكتفي بتوثيق الذاكرة، بل يحتفي بالحياة التي تنبض داخلها.

يمتد العمل على مدى 55 دقيقة، يرسم خلالها المخرج لوحةً حية لتاريخ فرقة “منات عيشاتة”، وهي مجموعة نسائية حسانية تشكل امتدادًا لإرث موسيقي عائلي تناقلته الأجيال كأمانة مقدسة.
من خلال عيون الفنانة سلم يمدح، إحدى بنات الفرقة وحاملة المشعل اليوم، يسافر الفيلم بين الماضي والحاضر، ليكشف كيف استطاعت الأسرة تحويل ما كان طقسًا قبليًا وروحيًا إلى رسالة فنية تتجاوز حدود المكان.

من “تيغرمت”، الواحة الأم في وادي نون، حيث كانت الليالي الأولى للمديح تجمع القبائل وسكان الدواوير على صوت الأم “عيشاتة” وطبلها، والأب “رباح” وعزفه، إلى المسارح الكبرى داخل المغرب وخارجه، تتبع الكاميرا خطوات الإرث الذي قاوم الزمن دون أن يفقد دفء البدايات.

يقول المخرج عمر ميارة في تصريح صحافي إن الفيلم هو “عودة إلى الجذور الفنية والإنسانية لأسرة جعلت من الفن نمط حياة، ومن المديح وسيلة للحفاظ على الهوية”. ويضيف أن سلم يمدح استطاعت أن تحافظ على روح الموروث، مع انفتاحها على أنماط موسيقية معاصرة تعيد تقديم الفن الحساني بروح جديدة دون أن تفقده أصالته.

بين إيقاعات الطبل وصوت الرمال، ينسج “منات عيشاتة” قصيدة بصرية عن الإصرار على البقاء؛ عن نساء يحملن الذاكرة في أصواتهن ويغنين كي لا يضيع التراث في زحام الحداثة.
فهو ليس فقط فيلمًا عن الموسيقى، بل عن الإرث والهوية والمقاومة الهادئة التي تخوضها الثقافة ضد النسيان.

هكذا ينجح ميارة في تحويل الحكاية العائلية إلى مرآة لروح الصحراء المغربية، حيث الفن ليس ترفًا، بل طريقة في صون الذاكرة وبعثها من جديد على إيقاع الطبل وصوت الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *