تقرير دولي يضع “حواجز المنافسة” والاقتصاد غير الرسمي تحت المجهر في المغرب

المغربية أنفو

بقلم : يونس أقبو

كشف التقرير الأحدث للبنك الدولي عن تشخيص دقيق للاختلالات التي تحول دون تحول النمو الاقتصادي في المغرب إلى رخاء اجتماعي شامل. ورغم المؤشرات الماكرو-اقتصادية المستقرة، إلا أن التقرير ركز على “المناطق الرمادية” التي تفرمل طموحات المملكة في خلق فرص شغل كافية ومنتجة.

انتقد التقرير بوضوح وجود “حواجز تنظيمية وهيكلية” تعيق دخول فاعلين جدد إلى الأسواق الحيوية. وأشار إلى أن تمركز المصالح في يد فئات معينة يحد من قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على المنافسة العادلة. هذا “الانغلاق” لا يقتل الابتكار فحسب، بل يكرس بنية اقتصادية يستفيد منها عدد محدود من الفاعلين، مما يعزز الحاجة الملحّة لتعزيز قوانين الشفافية ومحاربة الاحتكار.

سجل خبراء البنك الدولي “ضعفاً مزمناً” في إنتاجية القطاع الخاص المغربي. وبينما تقود الدولة قاطرة النمو عبر مشاريع البنية التحتية الكبرى، يظل القطاع الخاص “مكبوحاً” وغير قادر على التحول إلى محرك ذاتي للثروة. التقرير أكد أن الاعتماد المفرط على الإنفاق العمومي خلق نموذجاً اقتصادياً لا ينعكس بشكل مباشر على دخل الأفراد أو خلق وظائف عالية القيمة.

وصف التقرير اتساع رقعة “الاقتصاد غير الرسمي” في المغرب بالتحدي الأكبر. فهذا القطاع، رغم توفيره لمداخيل آنية، يساهم في ضيق قاعدة المستفيدين من الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، ويبقي ملايين الشباب والنساء في حالة من “الهشاشة الاقتصادية”. وأشار البنك الدولي إلى أن دمج هذا القطاع يتطلب أكثر من مجرد إجراءات ضريبية؛ بل يستلزم بناء ثقة حقيقية عبر الشفافية وتبسيط المساطر.

تخلص الرؤية التحليلية للبنك الدولي إلى أن العبور الآمن نحو أفق “مغرب 2035” يمر حتماً عبر تبني هندسة اقتصادية جديدة تضع تفعيل قواعد المنافسة وتكريس الشفافية كأولوية قصوى؛ إذ لم يعد كافياً الاعتماد على الأرقام الماكرو-اقتصادية وحدها دون ضمان أن تكون “ساحة اللعب” مفتوحة للجميع، حيث يكون البقاء فيها للأكفأ والأنشط وليس للأكثر نفوذاً أو قرباً من مراكز الامتياز. إن هذا التحول الجوهري يتطلب تفكيك البنيات التقليدية التي تعيق تكافؤ الفرص، واستبدالها بنظام حوكمة صارم يضمن الشفافية المطلقة في منح الصفقات العمومية وتسهيل الوصول العادل إلى الموارد الأساسية كالعقار والتمويل، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى استعادة الثقة لدى المستثمرين الصغار والشباب، وتحويل الاقتصاد الوطني من نموذج يعتمد على “الريع والامتيازات” إلى اقتصاد حيوي يقوم على “الاستحقاق والإنتاجية”، مما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للثروة وانخراطاً أوسع لكل فئات المجتمع في مسيرة التنمية.

​إن الرسالة الضمنية التي يبعث بها البنك الدولي للمغرب في عام 2026 تتجاوز مجرد لغة الأرقام لتصل إلى “تشريح بنيوي” لنموذج اقتصادي وصل إلى أقصى طاقته؛ فالتقرير يضعنا أمام مفارقة صادمة: نحن نملك اقتصاداً يحقق نمواً تقنياً، لكنه لا ينتج وظائف حقيقية لأن “محركاته” مكبلة.

المغرب أمام طريقين؛ إما الاستمرار في نموذج “قاعدة المستفيدين الضيقة” الذي ينتج نمواً هشاً، أو اقتحام “عش الدبابير” عبر إصلاحات تكسر الحواجز التنظيمية وتفتح الباب لجيل جديد من المستثمرين، ليتحول الاقتصاد من “منح الامتيازات” إلى “صناعة الفرص”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *