المغربية أنفو
على مدى عقود من الزمن، تظل مخيمات تندوف القابعة فوق الأراضي الجزائرية بمثابة بؤرة قاتمة وجرح حقوقي غائر في جبين الإنسانية، حيث تتجلى هناك أبشع صور المتاجرة بالآلام البشرية وتحويل عذابات الساكنة المحتجزة إلى أصل تجاري وسياسي تقتات عليه قيادة جبهة “البوليساريو”. إن هذا التنظيم المسلح، الذي تولد في سياقات الحرب الباردة وظل رهيناً لأجندات إقليمية مكشوفة، لم يفلح يوماً في تقديم مشروع بناء أو تنمية، بل تخصص في هندسة سجن جماعي مفتوح يفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، مستغلاً غياب الرقابة الدولية الفعالة لفرض قبضة حديدية لا ترحم صغيراً ولا توقر كبيراً. وفي هذا الفضاء المعزول عن العالم، يغيب القانون وتحضر شريعة الغاب، حيث تفرض الجبهة نظام القطب الواحد والرأي الأوحد، مكممة أفواه كل الأصوات الحرة التي تجرؤ على انتقاد الفساد المستشري أو المطالبة ببدائل واقعية لإنهاء النزاع المفتعل؛ فالمصير الحتمي لكل من يرفع عقيرته بالمعارضة أو يبدي تأييداً لمقترحات حكيمة ومستدامة مثل مقترح الحكم الذاتي، هو التخوين الممنهج، والاعتقال التعسفي، والرمي في غياهب زنازين سرية تفتقر لأبنى معايير الآدمية، بل والإحالة على محاكم عسكرية جائرة تحاكم المدنيين بلا أدنى ضمانات قانونية أو شروط للمحاكمة العادلة. ولعل الوجه الأكثر قتامة وقسوة لهذا التنظيم يتجسد في تلك التقارير الموثقة والمخزية الصادرة عن هيئات دولية، والتي تفضح جهاراً نهاراً تحويل وتهريب المساعدات الإنسانية والغذائية الموجهة للأطفال والنساء والمسنين لتباع في الأسواق السوداء للدول المجاورة، من أجل تمويل الحياة الباذخة لقيادات الميليشيات وشراء الذمم، في وقت يعاني فيه المحتجزون من ويلات سوء التغذية ونقص الرعاية الطبية الأساسية. هذا التلاعب السافر بلقمة عيش المستضعفين يتوازى مع رفض مستميت ومستمر من الجبهة والبلد المضيف لإجراء أي إحصاء رسمي وشفاف للساكنة من طرف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وذلك لإبقاء الضبابية سيدة الموقف والاستمرار في تضخيم الأرقام لاستجداء الدعم الدولي وتحويله لمصالح شخصية ضيقة. ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال براءة الطفولة عبر ممارسات يندى لها الجبين، تتمثل في الشحن الأيديولوجي وعسكرة المخيمات وإجبار الأطفال على حمل السلاح والمشاركة في الاستعراضات العسكرية، في انتهاك صارخ لجميع الاتفاقيات والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الطفل. إن استمرار هذا الوضع المأساوي والشاذ على أرض الدولة المضيفة، التي تخلت طواعية عن سيادتها وقضائها لصالح فصيل مسلح، يسائل الضمير العالمي ومؤسساته الأممية، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن جبهة “البوليساريو” ليست سوى تنظيم عفا عليه الزمن، يعيش على صناعة الوهم واحتجاز البشر، وبات يشكل تهديداً حقيقياً ومباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء، مما يستوجب تحركاً دولياً حازماً وجاداً لتفكيك هذا الكيان وإنهاء عذابات المحتجزين وإعادتهم إلى وطنهم الأم بكرامة وحرية.